فخر الدين الرازي

244

تفسير الرازي

فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون ( 26 ) ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى بن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها يقوموا بنصرتهم أتبع ذلك ببيان سائر الأشياء التي أنعم بها عليهم ، فبين أنه تعالى شرف نوحاً وإبراهيم عليهما السلام بالرسالة ، ثم جعل في ذريتهما النبوة والكتاب فما جاء بعدهما أحد بالنبوة إلا وكان من أولادهما ، وإنما قدم النبوة على الكتاب ، لأن كمال حال النبي أن يصير صاحب الكتاب والشرع . ثم قال تعالى : * ( فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : * ( فمنهم مهتد ) * أي فمن الذرية أو من المرسل إليهم ، وقد دل عليهم ذكر الإرسال والمرسلين ، والمعنى أن منهم مهتد ومنهم فاسق ، والغلبة للفساق ، وفي الفاسق ههنا قولان : الأول : أنه الذي ارتكب الكبيرة سواء كان كافراً أو لم يكن ، لأن هذا الاسم يطلق على الكافر وعلى من لا يكون ، كذلك إذا كان مرتكباً للكبيرة ، والثاني : أن المراد بالفاسق ههنا الكافر ، لأن الآية دلت على أنه تعالى جعل الفساق بالضد من المهتدين ، فكأن المراد أن فيهم من قبل الدين واهتدى ، ومنهم من لم يقبل ولم يهتد ، ومعلوم أن من كان كذلك كان كافراً ، وهذا ضعيف ، لأن المسلم الذي عصى قد يقال فيه : إنه لم يهتد إلى وجه رشده ودينه . قوله تعالى : * ( ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى بن مريم وآتيناه الإنجيل ) * . وفيه مسألتان : المسألة الأولى : معنى قفاه أتبعه بعد أن مضى ، والمراد أنه تعالى أرسل بعضهم بعد بعض إلى أن انتهى إلى أيام عيسى عليه السلام فأرسله الله تعالى بعدهم وآتاه الإنجيل . المسألة الثانية : قال ابن جني قرأ الحسن : * ( وآتيناه الإنجيل ) * بفتح الهمزة ، ثم قال : هذا مثال لا نظير له ، لأن أفعيل وهو عندهم من نجلت الشيء إذا استخرجته ، لأنه يستخرج به الأحكام ، والتوراة فوعلة من ورى الزند يرى إذا أخرج النار ، ومثله الفرقان وهو فعلان من فرقت بين الشيئين ، فعلى هذا لا يجوز فتح الهمزة لأنه لا نظير له ، وغالب الظن أنه ما قرأه إلا عن سماع وله وجهان أحدهما : أنه شاذ كما حكى بعضهم في البرطيل وثانيهما : أنه ظن الإنجيل أعجمياً فحرف مثاله تنبيهاً على كونه أعجمياً . قوله تعالى : * ( وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة رهبانية ابتدعوها ) * وفيه مسائل :